محمد دياب الإتليدي

124

إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء )

ثم غسلنا أيدينا وتحدثنا ساعة ثم إنه قام ودخل الخباء وقطع بيني وبينه بمقطع من الديباج الأحمر ، ثم خرج وقال : ادخل يا وجه العرب وخذ مضجعك فقد لحقك في هذه الليلة تعب وفي سفرك هذا نصب مفرط . قال جميل : فدخلت فإذا أنا بفراش من الديباج الأخضر ، فعند ذلك نزعت ما كان علي من الثياب ونمت بليلة لم أنم عمري مثلها ، فلم أزل كذلك ، وأنا متفكر في أمر هذا الشاب إلى أن جن الليل ونامت العيون ، فلم شعر إلا بحس خفي لم أسمع ألطف منه ولا أرق حاشية ، فرفعت سجاف المضرب ، ونظرت فإذا أنا بصبية لم أر أحسن منها وجهاً وهي إلى جانبه ، وهما يبكيان ويتشاكيان ألم الهوى والصبابة والجوى وشدة اشتياقهما إلى التلاقي ، فقلت : يا الله ؛ العجب من هذا الشخص الثاني ، وهذا بيت فرد فإني لم أر فيه غير هذا الفتى ، وليس حوله أحد ، ثم قلت في نفسي : لا شك أن هذه الجارية من بنات الجن تهوى هذا الغلام ، وقد تفرد بها في هذا المكان وتفردت به ، فحققتها فإذا هي أنسية عربية إذا رمقت تخجل الشمس المضيئة ، وقد أضاء الخباء من نور وجهها ، فلما تحققت أنها محبوبته غلبتني الغيرة على الحب ، فأرخيت الستر وغطيت وجهي ونمت ، فلما أصبحت لبست ثيابي ، وتوضأت لصلاتي ، وصليت ما كان علي من الفرض ، ثم قلت له : يا أخا العرب ، هل لك أن ترشدني إلى الطريق ، فقد تفضلت علي . فنظر إلي وقال : على رسلك يا وجه العرب ، الضيافة ثلاثة أيام وما كنت بالذي يدعك إلى لثلاثة أيام . قال جميل : فأقمت عنده ثلاثة أيام ، فلما كان اليوم الرابع جلسنا للحديث فحادثته وسألته عن اسمه ونسبه فقال : أما نسبي فأنا من بني عذرة ، وأنا فلان بن فلان وعمي فلان ، فإذا هو ابن عمي ، يا أمير المؤمنين ، وهو من أشرف بيت في بني عذرة ، قال : فقلت : يا ابن العم ، ما حملك على ما أراه منك من الانفراد في هذه البرية ، وكيف تركت عبيدك وإماءك وانفردت بنفسك في هذا المكان ؟ فلما سمع يا أمير المؤمنين كلامي ، ترغرغت عيناه بالدمع ثم قال : يا بن العم إنني كنت محباً لابنة عمي ، مفتوناً بها هائماً بحبها مجنوناً عليها لا أطيق الفراق عنها ، فزاد عشقي لها ، فخطبتها من عمي ، فأبى أن يزوجنيها وزوجها من رجل من بني عذرة ودخل بها وأخذها إلى المحلة التي هو فيها من العام الأول ، فلما بعدت عني وحجبت عن النظر إليها حملتني لوعات الهوى وشدة الشوق والجوى على تركي أهلي ومفارقتي عشيرتي وخلاني وجميع أمتعتي ، وانفردت بهذا البيت في هذه البرية وألفت وحدتي .